Archives de Tag: الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري

أي دور ستلعبه الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بتونس خلال الانتخابات الرئاسيّة القادمة؟

 ملاحظة: نشر هذا المقال بجريدة  ٍرأي اليوم بتاريخ 17 أوت 2014

http://www.raialyoum.com/?p=137962

تستعدّ تونس لتنظيم الانتخابات الرئاسيّة القادمة مع ترشح أكثر من ستين تونسي لهذا المنصب. و بعد أربع سنوات من الرئاسة الشرفيّة أو المؤقتة و الصراعات السياسيّة و ما عانه البعض من التونسيين من فقدان لصديق أو قريب جرّاء تفشي الإرهاب على الحدود و بجبل الشعانبي، حان الوقت ليختار الشعب التونسي رئيسه. و لا شك في أنّ وسائل الإعلام التونسية ستلعب دورا بارزا من خلال تغطية أدّق التفاصيل لهذا الحدث المنتظر على أحرّ من الجمر. و إن اهتمت الهيئة العليا للانتخابات بتونس سابقا أثناء انتخابات المجلس الوطني التأسيسي يوم 23 أكتوبر 2011 بمراقبة الإعلام و كيفية استعمال رجال السياسية للوسائل الإعلامية فإنّه ينتظر الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري « الهايكا » مسؤولية كبرى لضمان شفافية الانتخابات الرئاسيّة القادمة.

haica

و كانت الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري قد أصدرت مؤخرا بالتشارك مع الهيئة العليا للانتخابات قرارايتعلّقبضبط القواعد الخاصّة للحملة الانتخابيّة وحملة الاستفتاء بوسائل الإعلام. و يسعى هذا القرار الذي يتكوّن من  ثلاث أبواب و خمسة و عشرون فصلا إلى ضمان مبدأ المساواة بين المترشحين و الإنصاف و تجنب الثلث و الشتم، إضافة إلى التحديد المسبق من قبل كلّ قناة إذاعية أو تلفزية للمخطط التفصيلي لتغطيتها الإعلاميّة للحملات الانتخابيّة. و يرتبط هذا القرار بالمرسوم عدد 116 المتعلق بإحداث الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري.

كما واجهت الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري بتونس العديد من المشاكل منذ إحداثها نتيجة سعيها إلى تنظيم العمل الصحفي بالساحة الإعلاميّة التونسيّة و الذي انجرّ عنه إيقافها للعديد من البرامج التّي تجاوزت قوانين المرسوم عدد 115، بل إنّ الأمور اشتدّت منذ إعلانها عن كراس الشروط الذي يضبط عمليّة إحداث قناة تلفزية أو إذاعيّة. و من بين البرامج التّي تمّ إيقافها لمدّة معيّنة، نذكر على سبيل المثال  » عندي منقلك » الذي تبثه قناة التونسية و برنامج  » يحدث في تونس » الذي تعرضه قناة حنبعل. و قد وصل الأمر بإيقاف برنامج  » ناس نسمة » الذي تعترضه قناة نسمة التونسيّة لمدّة شهر على خلفيّة دعوة البرنامج الصريحة إلى العنف و الحرب و التباغض بين ضيفين ليبيين دون  أن يذكرهما مقدم البرنامج بالضوابط القانونية لحريّة التعبير.  و ممّا لا شك فيه قوبلت قرارات الهيئة بالرفض من قبل العديد من الصحفيين و الإعلاميين الذين ظنوا أنّ حريّة التعبير غير محدودة.

و تبيّن إثر العديد من الأحكام التي أصدرتها الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري أنّه ليس من السهل عليها القيام بواجبها ألا و هو  ضبط العمل الإعلاميّ بعد أن اعتبرها البعض هيئة لقمع حريّة الرأي و التعبير. ممّا يجعل هذه الهيئة إلى حدود هذه اللحظة تقاوم و تحاول ترشيد الصحفيين إلى المبادئ السليمة للعمل الصحفي. و رغم أنّ أحكامها أحيانا غريبة إلاّ أنّ وجودها إلزاميّ بتونس كجزء من الانتقال الديمقراطي لاسيّما و أنّ الصحافة تمثل السلطة الرابعة بأيّ مجتمع متقدّم.

ما للهييئة و ما عليها على خطى التجربة الفرنسية

إنّ الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري ليست ابتكارا تونسيّا بل هي النسخة التونسية القريبة نوعاما من النماذج العالميّة على غرار  المجلس الأعلى للسمعي البصري بفرنسا CSA والمجلس الفيدرالي للاتصال OFCOM ببريطانيا. و إن كان النموذج الأول يسعى إلى تعديدل الإعلام السمعي البصري الخاص و العمومي فإنّ النموذج الثاني لا يتدّخل بالإعلام العمومي الذي تمثله قناة BBC. أمّا الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري فإنّها تهتمّ بكلى القطاعين: العمومي و الخاصّ.

و بما أنّ التجربة التونسية حديثة النشأة، نفضل أن نتطرّق إلى التجربة الفرنسية التي تعتبر ناجحة لاسيّما مع التداول المستمرّ على منصب الرئاسة. فبفرنسا يلعب المجلس الأعلى للسمعي البصري CSA دورا بارزا على جميع المستويات، إذ يسعى إلى ضبط العمل الإعلامي خلال ثلاثة أشهر قبل الانتخابات.  فيتقلى مخطط البرمجة لكلّ قناة إذاعية أو تلفزية  و يمارس عمل الرقابة و يتمتع بسلطة المنع و الإيقاف في حالة تجاوز ما هو منصوص عليه بالقوانين الرسمية.  و ينادي المجلس بتطبيق ثلاث نقاط:

منع الإشهار السياسي-

الدعوة إلى الحياد و تعدديّة الفكر و التعبير-

منع إعطاء الكلمة للأحزاب التي تدعو إلى العنف و الكراهية-

كما لا يمنع المجلس الأعلى للسمعي البصري بفرنسا وسائل الإعلام من عرض نتائج سبر الآراء باستثناء الفترة الأخيرة قبل يوم الانتخابات. و كانت هئية الانتخابات بتونس خلال انتخابات الثالث و العشرين من شهر أكتوبر2011  قد منعت الإعلان عن عرض نتائج سبر الآراء قبل أسبوع من موعد الانتخابات.

و في محاولة للاستفادة من التجربة الفرنسية التي نصّت على منع إعطاء الكلمة الأحزاب التي تدعو إلى العنف و الكراهية، نتساءل: هل يحقّ للهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري بتونس أن تعطي قرارا بمنع إعطاء الكلمة للأحزاب السلفية المتشددة و المتمسكة بالفكر الإرهابي ؟ فقد كانت نقابة الصحفيين بدورها قد نادت خلال أحداث الشعانبي الأخيرة بتونس بتلبية نداء الوطن و محاربة الإرهاب عبر منابر الإعلام علنيّا. و هنا نتجاوز مبدأ الإنصاف و المساواة في محاولة للحفاظ على مبادئ الجمهورية و تقدمها و رقيّها.

و لكن  أيضا حين لا يجد رجل السياسة مكانا آخر ليفرض نفسه بعد أن تساوى مع بقية المنافسين، فإنّه سيلجأ حتما إلى وسائل الإعلام الأجنبيّة. و قد مثّل فوز قائمة العريضة الشعبية بالمرتبة الثانية خلال انتخابات الثالث و العشرين من شهر أكتوبر2011  مفاجأة لدى الشعب التونسي رغم أن رجال الإعلام لم يستغربوا ذلك نظرا لامتلاك رئيس القائمة   الهاشمي الحامدي لقناة تلفزية بأكملها تبّث مباشرة من لندن و التي استطاع من خلالها أن يسوّق لحملته الانخابيّة. ممّا يجعل الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري بتونس مطالبة بتحديد قوانين تضبط الحضور الإعلاميّ  للمترشحين بالوسائل الإعلاميّة بتونس و خارجها و إلاّ لا يمكننا أن نتحدّث عن مبدأ المساواة.

خلاصة القول، ينتظر الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري بتونس مهمّة صعبة ستحتاج لإتمامها عدد كبيرا من المراقبين  مع الإرتفاع المتواصل لعدد القنوات التلفزية و الإذاعيّة، لاسيّما و أنّها أوّل انتخابات رئاسيّة ديمقراطية ستعيشها تونس. و سيكون حضور الإعلام الأجنبيّ بدوره كثيفا.

و للعلم، تمنح الهيئة العليا للإعلام و الاتصال السمعي البصري للمواطن التونسي الفرصة لتقديم شكوى فيما يعلّق برنامج إذاعي أو تلفزي.  و يمكن أن ينتج عن هذه الشكوى قرار رسميّ إذا ثبتت صحّة التهمة.  فالإعلام مسؤولية الجميع.

نهى بلعيد

أستاذة جامعية و باحثة في علوم الإعلام و الاتّصال