هل نستطيع التحكّم في مضمون وسائل الإعلام الالكترونيّة ؟

ملاحظة: نشر هذا المقال بجريدة القدس العربي بتاريخ 14 أفريل 2014

http://www.alquds.co.uk/?p=156226

شهد قطاع الإعلام منذ سنوات تحوّلات كبرى سبقتها ثورة تكنولوجيّة غيّرت كليّا نظام العمل بهذا القطاع. فإن كنّا نتحدث سابقا عن التلفزيون أو الإذاعة أو الصحيفة الورقيّة فإنّنا نتحدّث اليوم عن قناة تلفزيّة أو قناة إذاعيّة عبر الواب و عن جريدة إلكترونيّة. إنّه نظام إعلاميّ حديث مرتبط بالتطوّر التكنولوجيّ في عصر المعلومات.

لم نعد في حاجة اليوم إلى الذهاب إلى بائع الجرائد لإقتناء صحيفة يومية أو أسبوعية أو مجلة شهريّة. كما لن نعد في حاجة إلى إنتظار نشرة الأخبار الرسميّة للقناة التلفزيّة أو الإذاعيّة. اليوم، يكفي أن تمتلك جهازا إلكترونيّا ( هاتف بنظام اندرويد أو أيفون أو حاسوبا أو تابليت…) حتّى تجد نفسك أمام زخم هائل من المعلومات و ما عليك إلا أن تختار موقعا إلكترونيّا ما للتعرّف إلى آخر الأخبار.

سابقا، كنا نملّ الإعلام الرسمي و نحاول الهروب إلى الإعلام الأجنبي. و حين هبّت نسمات الحريّة على بعض البلدان العربيّة كتونس و مصر مثلا إثر حلول الربيع العربي، طالبنا بحريّة الرأي و التعبير و التعدديّة الفكريّة. فارتفع عدد القنوات الإذاعيّة و التلفزيّة الخاصّة و عدد الجرائد و المجلاّت، إلى أن وجد المشاهد أو القارئ العربيّ نفسه حائرا حين يقف أمام بائع الجرائد أو حين يمسك بآلة التحكمّ للتلفزة.

لكنّ ظهور هذه الصحف أو الإذاعات أو التلفزات لم يقف حدود الواقع الملموس بل تجاوزه. و سعت أغلب الوسائل الإعلاميّة إلى تأكيد حضورها بالعالم الإفتراضي عبر قنوات عديدة للتواصل، إذ نجد لأغلب هذه الوسائل موقعا على الانترنت كجريدة المغرب و جريدة الصباح و إذاعة موزاييك و قناة التونسيّة.

حضور الوسائل الإعلاميّة التونسيّة بالعالم الافتراضي

يتجاوز عدد الوسائل الإعلاميّة التونسية الموجودة بالعالم الافتراضي عدد الوسائل الإعلاميّة التونسيّة الموجودة بالواقع بعد أن أصبح للجريدة الورقيّة نسخة إلكترونيّة و للقناة الإذاعية أو القناة التلفزية موقعا إلكترونيّا. و هو ما يسمى بإندماج وسائل الإعلام و الاتّصال الذي يعتبر ظاهرة جديدة بتونس رغم وجودها منذ سنة 2004 بدول متقدمة في مجال الإعلام و الاتصال ككندا. و يتمّ تعريف الاندماج على أساس أنّه عملية التشارك بين وسيلتين لتحقيق هدف واحد. و هو ناتج عن العولمة و ظهور « العالم القرية » كما عرفه ماكلوهان حيث ساهمت الوسائل التكنولوجية الحديثة في خلق مسالك جديدة للتواصل بين الأفراد بمختلف دول العالم.

فإن كانت النسخة الورقيّة هي إنتقاء لأحسن المقالات الموجودة بالجريدة الإلكترونيّة فإنّ الموقع الإلكترونيّ لقناة ما أو إذاعة ما قد أسس حتّى يعطي للمشاهد أو المستمع فرصة ثانية لمتابعة ما تقدّمة التلفزة أو الإذاعة من برامج ، إذ لم تعد مطالبا بأن تستيقظ في الصباح الباكر لإقتناء جريدتك المفضلة قبل أن ينتهي عدد النسخ الموجودة أو أن تستغني عن القيام بعمل ما لمتابعة برنامجك المفضّل. فبفضل سياسة إندماج وسائل الإعلام و الاتّصال، بإمكانك الحصول على المعلومة متى و أين أردت ذلك بفضل وجود المقالات و التسجيلات بالصوت و الصورة. يكفي أن يكون لك جهاز إلكترونيّ و أن تجيد إستعمال الإنترنت.

ثمّ إنّه لتأكيد حضورك بسوق الإعلام، يجب أن تحدّد استراتجيّة اتصاليّة واضحة. و لأنّ الفايسبوك كموقع اجتماعيّ و كوسيلة اتّصال هو الموقع الذي يشهد ولوج أكبر عدد من مستعملي الانترنت بتونس ، فقد سعت أغلب الوسائل الإعلاميّة بتونس إلى تأسيس صفحة على الفايسبوك لنشرة مقالاتها أو مقاطع الفيديو لبرامجها. و الهدف من ذلك هو الترويج لمقالاتها أو برامجها. فما إن يجد مستعمل الإنترنت رابطا لمقال أو فيديو على الحائط بالفايسبوك و يجذب انتباهه العنوان، حتّى يضغط على الرابط ليكتشف أكثر تفاصيل عن الخبر. و إن كانت بعض الوسائل الإعلاميّة الغربيّة قد جعلت بعض الأخبار متاحة للمطالعة المجانيّة، فإنّ مستعمل الانترنت يجد أحيانا نفسه مجبرا على الدفع الماليّ الالكترونيّ للولوج إلى بعض الأخبار. هي سياسة اقتصاديّة قد اتّبعتها بعض الوسائل الإعلاميّة الغربيّة لتحقيق ربح ماديّ. و للإشارة، بعض الوسائل الإعلاميّة التونسيّة سجلت حضورها بالتويتر فيما التحقت القنوات التلفزية و الإذاعية باليوتوب و الدايلي موشن.

و يشير الواقع إلى أنّ مستعملي الإعلام الكلاسيكي قد انتقلوا إلى الإعلام الإلكتروني بحثا عن التفاعليّة، إذ لم يعد قارئ الجريدة أو مشاهد التلفزة أو مستمع الإذاعة مجرّد متلقي سلبي بل تحوّل إلى فاعل بعد أن وجد بالإنترنت فضاء للتعبير عن رأيه بكلّ حريّة. لذلك نجد بأسفل المقال بالجريدة الإلكترونيّة أو بأسفل الفيديو بالموقع الإلكتروني مساحة ليعبرّ المتلقي عن رأيه و الدخول مع مؤلفها في نقاش. كما يمكن للمتلقي أن ينشر المقال أو الفيديو بالموقع الاجتماعي.

حجب أو تعديل الوسائل الإعلاميّة بالعالم الافتراضي

مع إرتفاع عدد الوسائل الإعلاميّة بالعالم الافتراضي، برزت إشكاليّة مصداقيّة هذه الوسائل باعتبار أنّها تعمل وفق قاعدة « من كان الأسرع ». لم نعد في حاجة اليوم إلى إنتظار نشرة الساعة الثامنة مساء للتأكد من خبر ما بعد أن أصبح الولوج إلى الانترنت يمّكن من الحصول على المعلومة خلال بضع ثوان. و تعتبر إذاعة موزايك بتونس من أسرع الوسائل الإعلاميّة في تحقيق السبق الصحفيّ، غير أنّ هذا السبق الصحفي يفرض مصداقيته. و هو ما جعل بعض الوسائل الإعلاميّة توضع بالقائمة السوداء نظرا لمساهمتها في نشر الإشاعات و الأخبار الزائفة. ليتساءل البعض: هل يجب حجب هذه المواقع من باب غياب المصداقيّة؟ يعني هل أنّ حجب هذه المواقع هو الحلّ الأمثل لوضع حدّ للإنفلات الإعلاميّ؟

ما يشهده العالم الافتراضي اليوم من تبادل سريع للمعلومات يجعل من الحجب عمليّة صعبة. فإن كان من السهل إيقاف برنامج  » عندي ما نقلك » الذي كانت تعرضه قناة التونسيّة في الواقع الملموس، فإنّ هذا البرنامج بإمكانه أن يستمرّ عبر اليوتوب و يحقّق نسبة مشاهدة عالية جدّا. فبرنامج « البرنامج » لباسم يوسف إنطلق عبر اليوتوب قبل أن يتمّ تبني الفكرة من قبل قنوات عربيّة. و لأنّ المواطن التونسيّ لا يكتفي اليوم بالمشاهدة بل يبحث عن فضاء للتعبير عن رأيه، فإنّه سيتابع برنامجه المفضّل عبر الانترنت.

قد لا تعتبر الأرضيّة اللوجستيكية بتونس اليوم جاهزة لجذب انتباه جميع المواطنين إلى الانترنت لمتابعة الأخبار، نظرا لعدم انتشار الانترنت بكافة المناطق الداخليّة و عدم وجود الأجهزة اللازمة و استمرار وجود الأميّة. لكن الواقع التونسي قابل للتغيير خلال السنوات القادمة… إذ أنّنا إنطلقنا في إستعمال الفايسبوك منذ سنة 2008. كما لم تمض بعد ثلاث سنوات على وجود خدمة الويفي و سنتين على إنتشار Smartphone و tablette . و رغم ذلك فإنّ احتكار المواطن التونسي للانترنت يعتبر متطورّا خلال فترة قصيرة. و قد جاء في تقرير لـ وكالة التواصل الإعلامي « يو أم ديجيتال تونس UM Digital Tunisie  » سنة 2013، أنّ عدد مستخدمي الانترنت بتونس يبلغ 4,4 مليون. كما صنفت تونس في المرتبة الـ 47 في العالم من حيث عدد مستخدمي « فايسبوك ». و سنتساءل يومها: هل نحن قادرون على مراقبة جميع الوسائل الإعلاميّة بالعالم الافتراضي و حجبها ؟ بالأمس كنّا نتحدّث عن « عمّار 404″، و غدا هل يمكن أن نتحدّث عن هيئة تأمر بإيقاف برنامج يعرض على الشبكة الافتراضيّة ؟….

يجب التفكير مليّا في القوانين التي صيغت لضمان نزاهة و حرفيّة المادّة الإخباريّة المقدّمة إلى المواطن من خلال تأسيس مدونة أخلاقيّة للمضمون الذي يتمّ بثّه عبر الانترنت و هو ما بعرف بـ Nétique، إذ لا يمكن الحجب و لكن يمكن التعديل بتذكير الصحفي الالكتروني من حين إلى آخر بمهمّته و واجبه. و هنا يكمن أيضا دور النقابات و المجالس.

كما يجب على الصحفي الإلكتروني أن يلتزم بأخلاقيّات الصحافة الالكترونيّة التي تعتبر قريبة نوعا ما من المبادئ والقواعد الأخلاقية التي تعتمدها وسائل الإعلام التقليدية: احترام الخصوصية، التثبت من مصادر الخبر أو قابلية المعلومة ، تجنب الشتم و الثلب…الخ.

لقد شهد الإعلام ثورة تكنولوجيّة جعلت من المواطن عنصرا مساهما في صناعة الخبر غير أنّ كلّ ثورة هي سلاح ذو حدين. فإن كانت الثورة الاقتصادية قد ساهمت في تطوير الأداء فقد ساهمت في إنتشار البطالة. أمّا الثورة التكنولوجيّة فقد ساهمت في خلق مسالك عديدة للتواصل حتّى أصبح إنتشار الإشاعات و الكذب و التزييف و الخداع عمليّات يسهم القيام بها خلال ثوان معدودة. و لا يعتبر الردع هو الحلّ بل يجب الاتفاق على قواعد لضمان حسن سير العمل الإعلامي في العالم الافتراضي.

إنّنا نعيش بمجتمع المعلومات … هو مجتمع يعتمد اعتماداً أساسياً على المعلومات الوفيرة كمورد استثماري وكسلعة استراتيجية وكخدمة و كمصدر للدخل القومي وكمجال للقوى العاملة؛ مستغلاً في ذلك إمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المتطورة كّلها، وبما يبين استخدام المعلومات بشكل واضح في أوجه الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية بغرض تحقيق التنمية المستمرة وتحسين نوعية الحياة للمجتمع وللأفراد. لذلك يجب استغلال اندماج وسائل الإعلام و الاتصال بطريقة جيّدة.

نهى بلعيد – باحثة في مجال الإعلام و الإتصال

Publicités

Laisser un commentaire

Choisissez une méthode de connexion pour poster votre commentaire:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :